The Official Website of Kareem Essayyad
Navigation  
  Home
  Kareem Essayyad
  Register
  Poetry
  SHORT STORIES
  NOVELS
  => مُقشَعِرّات
  => مقشعرات-تابع
  ESSAYS
  Critical Studies
  Philosophical Researches
  الترجمات
  Guestbook قاعة الضيافة
  Map / Satellite image
مُقشَعِرّات

مُقْشَعِرَّاتٌ

"رواية وَمْضيّة"

 

 

 

 

1-القهوة السويدية

قابلتُه في أحد المؤتمرات الدولية، لم يعرف أحد الدولة التي كان يمثلها، أو اللكنة التي كان يتكلم بها الإنجليزية، ألقى أبحاثًا عجيبة، ورد على الأسئلة بإجاباتٍ مُخرِسة، ثم جلس على المقهى أمام البحر، يدخّن ويجرع القهوة السويدية الخفيفة المرّة.

 

كنت لا أتحمل المرارة في شبابي، ولهذا لم أكن أحب القهوة.

 

جالسته عدة مرات، كان يصمت حتى ينتهي سيجاره متأملاً ما يخلقه من عوالم الدخان التي تمتد دون أيدٍ في الفراغ، ثم يبتسم ابتسامته الغامضة، ويقول في حنان:

-أنت شابٌّ وفتيّ، ولهذا تبدو لك الأشياء الحلوة حلوة، والأشياء المرّة مرّة.

 

يجرع من فنجانه كأنه يملأ من القهوة القلبَ مردفًا:

-ويومًا ستفهم أن القهوة السويدية هي أفضل قهوة في الكون.

 

ووضع فنجانه بحركة حاسمة، نظر لي بعينين صريحتين وهمس:

-ستراني، ستراني.

وحين نهض راحلاً عرفت من هو.

  2-الجميل والبحر

أمام بحر الشمال الأسطوري شعرت أنني فاتن، كانت فتاتي التي تكبَرني ببضعة أعوام تقول أنني لو شئتُ أن أغوي امرأةً ما عليّ إلا أن أبتسم.

 

ذلك أنني لم أكن أبتسم.

 

مزّقْ أيها البحر بشرتك الشفافة كما تشاء، وانزف منها كل مخلوقاتك الخرافية، واكسُ بجلدك أعضاء العراء، اركب السفن وارتدِ الأشرعة، اغسل هيكل الأرض العظميّ مما تبقى حوله من لحم البشر.

 

افعل هذا مرةً كل يوم.

 

أو أكثر من مرة.

 

لن تخيفني لأنني أبتسم.

 

لأن الجمال يقتل الوحوش كما قتل النساء الأسطوريات.

 

3-الشجرة

قال لي:

-أنت شابٌّ وفتيّ، ولهذا فسوف تغويك امرأة وسيمفونية وقصيدة شعر.

 

احذر الأثواب لأن النساء لا يحتجن إلى عيون.

تعلم كيف تغمض أذنك كما تغمض عينك.

الشِّعر مكروهٌ بعد الخليقة وحرامٌ قبل الخلود.

 

سأعرف أنك أكلت من المرأة حين تلطّخك الأجنّة.

وأنك شربت من السيمفونية حين تبللك الدموع.

وأنك سكنت القصيدة حين يقشعرّ جلدك كالصوف المنفوش.

حين يبدو عليك كمعطفٍ.

حين يبدو عليك كمعطفٍ ليس معطفَك.

 

4-الإنجيل

فتحتُ صفحة الجريدة فقال:

-لي جريدة واحدة، يتغير العالم وهي هي، تزول السموات والأرض وهي لا تزول، في البدء كانت الجريدة، والجريدة صارت جسدًا، والجسد أحفظه في الأرض مُحنّطًا، وفي السماء في ثلاجة، وبين السماء والأرض في كواكب بحارها  وأمطارها من الفورمالين.

 

5-الثالوث

قال البحر:

-دعك منه ومن المرأة.

 

قلت:

-أنا معك امرأة، ومع المرأة رجل، ومعه طفل.

وأنت معي وحش، ومع المرأة امرأة أخرى، ومعه بحر.

وهو معك هو، ومع المرأة هو، ومعي هو.

فليكن هو هو

وأنت بحرًا

وأنا-يا بحر-طفلاً.

 

 6-غريزة أساسية

لما ترهّل جلدي، وصرت أجرّه خلفي، وألملمه حول وسطي، وأدسّه في النطاق، عرفني واتهمني وغفر لي وقال:

-ستصدق في الخطايا القادمة أن الجلد كائن حي، وأنه قد يهجرك في الجحيم ويصحبك في النعيم، لا تغسله ولا تنشره إلا تحت سطح الليل.

 

لم أسمع البقية لأن الجلد كان يخفق كالثوب الذي تعصف به الريح على مشجب.

 

تلفّتُّ حولي، فرأيت جلد امرأة معلقًا على مشجبٍ، وصاحِبته جالسةٌُ في الركن تقرأ ديوانًا لفيكتور هوجو.

 

7-لا شيؤنا

بعد أن أكلتُ غطّيتُ المرأة التي ابتسمت لي، فرأيت بين شفتيها علامات أسناني التي قضمتها بها مرةً واحدةً.

 

همست لي:

-لا شيء سيعرى الآن.

لا شيء سيطفئك.

لا شيء سَـ..

منذ الآن..

لا شيء شيءٌ.

لا شيء لا.

 

كان جسمها يتغير إلى لونٍ داكنٍ وهو مكشوفٌ في الهواء، ومجروحٌ.

 

 8-الإبريق

بعد أن شربت غطيت الإبريق الذي يريد أن ينكسر، حاول السقوط كثيرًا لكنني كنت ألقطه، وأضع حول المنضدة الوسائد وأربّي حيوان الإسفنج، وحين يئس تكوّر وانغلق وصار كرةً من البلور وثمرةً من الماء الذي تحميه قشرة الزجاج، وحين شقني العطش ولم أستطع كسره ألقيته على الأرض، لكن الإسفنج كان قد استعمر العالم، ضربته بيدي، لكن الإسفنج صار قفازًا وثوبًا وحذاءً وقبعةً وقناعًا.

 

كنت أكسره ولا أكسر شيئًا.

وكان كل شيء يكسرني ينكسر.

لكن الإبريق شقَّ بالعطش كل شيء.

ونبَّتَ أباريق صغيرةً في كل منها قطرة تنزف من حَلْق العالم.

 

 9-على الطراز القديم

بعد أن سكنتُ قال الجِلد:

-منذ الآن هذا البيت جلدك، الشتاء القادم سيسقي كل الفصول، اختر لك بيتًا ثقيلاً ولا تحرص على اتباع الموضة.

 

بعد أن تركني جاءني الكهربائي يعتذر حين أصاب وريدًا في علبة الكهرباء.

10-الألسن

سألني حين علّقت على لكنته العجيبة:

-كم لغةً تجيد؟

-تعلمت ثمانية ألسن ولم أجد منها سوى اثنين.

 

أشعل سيجاره الخامد دون نار، عاد يخلق من الدخان ماكيتّات العوالم القادمة بعين منتقدة، ثم قال بلغة يتصاعد منها الغيم:

-لا تنس العربية لأنها العجين الذي يربط أحجار مسجدي السيدة والحسين، لا تنس الإنجليزية لأنها لغة من لا لسان له، لا تنس الألمانية لأنها لغة الشيطان، لا تنس الفرنسية لأنها تصبغ الشفاهَ بلون الأحبّة المفضّل، لا تنس الإيطالية لأنها لغة النجوم ومدوَّنات الموسيقى الكلاسيكية، لا تنس اللاتينية لأنها محفورة في كبد كل حجر من أحجار كنائس العصور الوسطى المقدسة، لا تنس اليونانية لأنها لغة آلهة الإغريق التي كانت أذكى من أن تعيد خلق من خلقوهم ليخلقوهم، لا تنس الفارسية لأنها لغة ملائكة الموت الذين قد تحتاج للتفاوض معهم، ولا تنس القشعريرة لأنها أصل اللغات وبها تستطيع التفاهم في المؤتمرات الكونية وورش العمل السماوية.

 

11-كُورْس

حاولت فهم سر هذه اللغة، فتحت كتاب قواعد ومعجمًا ومحبرةً منتفخة بجنين الفكر المحفوظ في الحبر، وجلست في دفء المقهى أدرس على وهج الشمس التي تشرق من الفحم، وشعاع الشمس الذي يطل مع كل ريحٍ بين طيات الغيوم المتفحّمة، قال دون أن يلتفت إلى شيء أو مكان أو زمان:

-اللغة تحتاج إلى ممارسة، إذا أردت تعلمها ابحث عني ساعة الفجر، انظر لي كما لم ينظر الناس، سأرفع رأسي من البحر في آخر ساعة من الليل، انزفْ من قدميك الحافيتين على الصخور، انزلقْ فوق الطحلب الشرير المتربّص، اسمعْ وسوسة سرطانات البحر وهي تمرق بين قدميك في الظلام، تجمدْ من البرد، اختنق من سكين الريح الصرصر التي تذبحك، ابحثْ عن أي ضوء ثم اعرف أنك الآن أعمى، ابحثْ عن أي أحد ثم اعرفْ أنك الآن الوحيد الذي عثرتَ عليه، احتضنْ ضلوعك بذراعيك لتعرف أنك بلا ذراعين، قفْ قبل المزيد من التورط لتعرف أنك بلا رجلين، حينئذٍ ستجيد هذه اللغة، سيان أن أعذبك أو أرحمك ما دمتَ تنشد الرهبة.

 

12-المقشعِرّات

بعد أن تعلمت اللغة دار كل ما دار من حديث بيني والبحر، وتركني الجِلد، ثم صرت أجده أحيانًا متطحلبًا مقشعرًّا على الصخور الرطبة وسط إخوته من الطحالب المقشعرّات.

 

13-اغتراب

قالت لي فتاتي التي تكبَرني بأعوام:

-لا تكتفِ بالدراسة في الجامعات المحلية، أنت تجيد لغةً قديمة يتكلمها الطحلب ولحاء الشجر وجِلدنا غير العاقل، عليك أن تتابع برامج المنح الأجنبية.

 

-أنا هارب من جلدي، وسأسافر إلى جلدك، حتى لو كانت تكاليف الروح عالية هناك، لو لم أجد ثوبًا يظللني سأكتفي بالمبيت في حدائق النهدين.

 

14-تمارين صوتية

-أريدها

(أعلى قليلاً)

-أريدها

(بوحشيّة)

-أُاُأُأُريدها

(بعاطفية)

-أرييييدها

(بفخامة)

-أريدهاااا

(بسخرية)

-أرّرّرّريدها

(بموت)

-أريدُدُدُدُها

 

(شكرًا شكرًا- تصفيق)

 

15-الموسم

حاولتُ كثيرًا لكن جلدها كان يتقشر عني في كل مرة، كانت تلفظني وتطرحني مثل الثمرة، فشعرت نحوها شعوري نحو الشجرة.

 

كلما مرّ جوارنا رجل أو امرأة جمعني في جيبه أو جمعتني في حجرها.

 

الفلاحون يحسبونني نبتًا مستوردًا، والمهندسون الزراعيون يحسبونني مُخَلَّقًا وراثيًا.

 

تشبثت بحضنها لكن فروعها كانت تهتز كثيرًا.

 

سقطت على الأرض قبل أن أنضج، أخضر، ليس لي جذور، لست مُتَدَرِّنًا كغيري ممن لهم تجارب عاطفية، وليس بي بذور لأُبعث من الأرض بعد أن أموت وأتحلل وأُدفَن في التربة.

 

 16-كوميديا سوداء

أريدهاهاهاها

هاها هاها

ها هاهاها

هاهاها ها

ها ها ها ها

ه ه ه ه اااا

آااا ه ه ه ه

 

(شكرًا شكرًا- تصفيق)

 

17-ديوان في رواية

كان ظلٌّ يتموَّجْ
كان ليلٌ،
وصراخُ الريح يُطفي كلَّ نجم ٍ،
كلَّ ومض ٍ
في العيونْ
وأنا كنتُ..
وكانتْ
-
من زمان ٍ-
لمسةٌ لي
خاصّةٌ
حين أكونْ
حين أخرُجْ
واقفًا مستعرضًا فيّ الإرادهْ
كان رأسي في الوسادهْ
غير أنّ الحلمَ حولي كان يُنسَجْ
كنت أغلي داخلي تحت الجفونْ
وضلوعي..تتثلّجْ.!
* * *

كان جسمي يتشنّجْ
وسريري ظل يهذي في انقباضات الولادهْ
كنتُ أغلي حولَ عظمي
صانعًا منِّي حساءً
فوق نار الحلم أطهيني مرارًا كلَّ يومٍ من سنينْ
غير أني لستُ أنضُجْ.!
* * *

كل عضوٍ يتلوّى في المواجعْ
باحثًا عني كأعمَى
لاعقًا منِّي كجائعْ
غارفًا منِّي الصحونْ
كنت أغلي تحت جلدي بالفقاقعْ
وأفور الآنَ حولي
دون شيءٍ يحتوينْ
دون شيءٍ
أيِّ شيءٍ
يحتوينْ.!
* * *

في الصباح المتحشرِجْ
بين غيمٍ يتلوّى في سماء الغائمينْ
كنت أرفو سطحَ جلدي،
ثم أمحو كلَّ ما فارَ عليهِ
من منامٍ بالغ البعد ِ،
ومزعِجْ
وعلى مائدة الإفطار عدتُ الآنَ شخصًا ما

جديدًا،
كلُّ شيءٍ صار أبهَجْ
غير أني حين عريتُ طعامي
كان في الأطباقِ جلدٌ مقشعرٌّ
بانتظار الآكلــينْ.!

18-نَقْدٌ

ترك بصماته على كل شيءٍ أعمالاً فنية، عدل من وضع الفحم الذي كان يلتهب في مودة وبراءة بأصابع تتمسح فيها النار كالقطة الصغيرة، وقال في خبرة:

-القوافي تخدش في الجلد كالأظافر لكنها لا تنغرس فيه، اترك الأظافر مرتشقة في جلد المستمعين أفضل، خلخِلْها قبل الإلقاء، أما البحر فهو مالح لا يطفئ العطش، أقترح عليك أن تدع بحور الشعر وتتعلم أنهاره، فتربتها أكثر خصوبة حول المصبّات وما يليها من أذن وُسطَى وداخلية.

 

19-كتاب في رواية

·        المرأة ليست دائمًا شجرة، ليس لأنها بلا جذور وجذع وفروع وأوراق وأزهار ولحاء، بل لأن الرجل ليس دائمًا ثمرة.

·        المرأة لم تعد مخلوقًا جميلاً، في عصر ما بعد الحداثة وتفكك النظريات.. المرأة صارت مخلوقًا غزيرًا.

·        الغزارة مقولة شعورية أوليّة تعبر عن الكمّ، والأطفال فقط هم الذين يفهمونها، في حين يُعدّ الكيف من أعراض البلوغ.

·   الغزارة هي البحر العظيم الراكد الذي تسبح على سطحه الجلود المتطحلبة والطحالب المتجلّدة، لا يبدو سطح مائه من اكتمال بشرته، القشعريرة هي الموج، وأنا أجيد السباحة.

·        الأطفال كذلك يجيدونها.

 

20-مناقشة

أعاد بأصابعه التي تضيء في اللهب قطط النار الصغيرات إلى جحرهن في وهج الفحم، وذلك قبل أن يحلّ الليل رمادًا في الجمرة، وقال باهتمام:

-تأثير الفكر البشري يظهر بقوة في الفصلين 1-2، لكن الأصالة تبدو في الفصول التالية، أختلف معك في أن المرأة لم تعد مخلوقًا جميلاً، أعتقد أنها لم تعد مخلوقًا، لكنه اختلاف في وجهات النظر على كل حال.

-أشكرك يا سيدي على اهتمامك، وما أضعته معي من الأبدية.

 

21-الخُلول

قلبي بين رئتيّ كاللب بين دفتي المحارة، قلبي كائنٌ رخو يخرج أحيانًا ليتمشّى على كل شيء ليحس مباشرة، وأحيانًا يصطاده الناس كي يأكلوه، يفرغونه في الطبق ويرشّون عليه الملح، لكنه يهرب دائمًا، ولهذا يعود إليّ أحيانًا حامِيًا أكاد لا أحتمله.

 

22-القنديل

اقترحت عليّ فتاتي التي كانت تكبَرني أن أربّي قلبي في حوض زجاجيّ كيلا يهرب، قمت بهذا لكنه أزاد اكتئابي، شعر قلبي بالحبسة والوحدة، ربيت معه بعض الأسماك وانتظرت، لكنه نبذها وهي تتساءل عن سلوكه المنطوي المستمرّ، صنعتُ له لعبًا ونباتات مائية، لكنه تركها إلى ركن الحوض، لقد أدرك كينونته الحقيقية أخيرًا، ظلَّ يسبح في الحوض على الجدران والأطراف، وحيدًا.. شفافًا.. سامًّا، وأدهشني أنه يضيء.

 

 23-المرجان

لما غمر الطوفان البلد بقيت في منزلي ولم أخرج، إنه طوفان وسيمرّ، طوفانٌ عاديّ سوف تكتب عنه كل الحضارات ويرد في الكتب المقدسة ويُفني البشرية كلها، عشت عشرات السنين حتى انسحب الماء، الحوائط الحجرية الصلبة المتشعبة والزاهية كانت تحميني من المتطفلين، وكادت أن تُغرق السفينة الوحيدة بكل ما عليها من متاحف الكائنات البرية.

 

 24-الحفريّة

بعد آلاف السنين جاء النقاد والباحثون، ينقّبون في قمة الجبل التي كانت قاع بحر، بدوتُ لهم بين صفحتين وردةً جافةً كانت يومًا يانعة بين حبيبين شيخَيْن، كانت ألواني زالت ومنظاري الطبيّ تآكل، فبدوت لهم بالضبط كصورتي في بطاقة الرقم القومي، أبيض وأسود ومنطفئًا ولا أَرى بوضوح، وجواري رأس توت عنخ آمون اللامع الملوّن الذي لا يؤنب ضميرَه أنه صار عميلاً للنظام.

 

25-موسىٰ

هذا نبيٌّ آخَر، خرج إلى البحر مع بني إسرائيل، جرى خلفه جيش من فراعنة الرسوم المتحركة الذين غادروا أوراق العملة وقِطعها المعدنية وكافة طوابع البريد والرموز الحكومية، وحاولوا منعه.

 

كانت معه عصا خارقة فيما أذكر.

 

جاء البحرَ، فرفع عصاه وهوَى ليحفر طريقًا للعبور.

 

لم يرَ في الظلام الجِلدَ وربما حسبه طحالب.

 

حين صحوت بعد قرون وجدت علامات العصا في جلدي، خطين أزرقين بينهما نجمة سداسية.

 

لم يغب هذا عن عين الحكومة التي ظلت تضربني بقسوة لتشوّه النجمة وتحاول فكها إلى مثلثين من جهة، ولتطبع في جلدي الفراعنة الزاهين على العملات والطوابع والرموز من جهةٍ أخرى.

 

26-عيسى

المسيحية ديانة رطبة منخفضة الحرارة تحتاج إلى أقوياء التحمل، أو من كانت لديهم معاطف جلدية سميكة وفراء ساخن.

 

أدخل الكنائس لأنني أحب مشهد الأطفال يوم الأحد وهم يرتدون ملابس العيد، ولا يفهمون الكلام الكبير في كل الأديان عن الله.

 

في ذلك الصباح حين انخفضت حرارة المسيحية قرب الصفر كان الأطفال المدثَّرون في الجِلد والفراء يلهون قربي، ولا يعاكسونني لأنني أرتجف وأبدو مريضًا.

 

في الأحد التالي اشتريت جلدًا سميكًا وكومة من الفراء، وجلستُ فوق النجيل، وضعت الجلد والفراء أمامي، وتربعت أمامه، وظللت أدفّئ راحتيّ فوقه، وأدعو الصغار لمشاركتي الدفء، وصاروا يعاكسونني لأنني عاملتهم بأبوة.

 

27-محمد

الإسلام ديانة مرتفعة الحرارة، ولهذا يحب المسلمون الماء والثلج والبرد.

 

حين قررت الهجرة إلى أوروبا لم آخذ معي إلا حجرًا صغيرًا كان مدفونًا في الأرض المجاورة لمسجد السيدة، أخذته في حضني ومسحت عليه، وطويت حوله ملابسي، ثم رحلت.

 

كنت ثمرةً خضراء، لهذا زرعت الحجر فيّ وتركته يجفف عصارتي، يشرب من ضفاف ريقي، لأنني أريد أن أصوم.

 

علا الأخضر وجه الحجر في البداية، ثم شق قلب الحجر وعمّره بحديقة عظيمة صغيرة جدًا جدًا، فيها كشكُ موسيقى أسمع منه نبضاتٍ كالقلب، وفيها أصوات عيالٍ يتصايحون في لعب الكرة والعسكر والحرامي.

 

أحب قومي الحجر فأتوني بحجارتهم، وصارت فيها كلها حدائق كثيرة صغيرة جدًا جدًا.

 

أقنعتهم بدبلوماسية أن يأتوني بحجارة أصنامهم، فصارت لها كلها قلوب من شجر أخضر وزهور، وغادرتِ الكعبة.

 

أقنعتهم أن يدخلوني الكعبة، فصار كل حجر منها له قلب من حديقة فيه كشكُ موسيقى وعيالٌ يلعبون، لكن المسلمين لا يسمعون بسبب التكبير أبدًا الموسيقى وأصوات اللعب، برغم أنني نبّهتُ على أهمية ذلك أكثر من مرة.

 

 28-القرآن

أقرؤه أحيانًا لكنه يقرؤني في أكثر الأحيان.

 

أتعاشق معه كالأرابيسك.

 

أتنمنم لألعب حول حروفه وبينها، أتقرنص ليسيل عليّ كالعسل حول خلايا النحل الشمعية، أتقبب ليدوّي في داخلي جهوريًا، ستريو، ومضافٌ إليه تأثير الصدى.

 

يفرد يده على صفحتي، ثم يقبضها، لكنني أسيل دائمًا من بين أصابعه مع صوت خرير.

 

حين أسمعه كثيرًا تتحول أذناي إلى مقرنصتين مقعرتين من الغضروف، يسيل عليهما العسل.

 

أنا أخاف النَّحلةَ.

 

29-الجولة الأولى

كان يجيد اللعب بالبيادق خاصّةً، في حين كنت أحاول تمهيد الرقعة من أجل هجوم الوزير.

 

كان يعرف كل مداخل ومخارج الرقعة، كان يقتم لونه في الأسود حتى لا أراه، ثم يبيضّ تمامًا في الأبيض فلا أميزه، كان يرقّ تمامًا فلا أميز منه انبعاجًا فوق السطح، كما كان يجيد المشي على الخطوط الفاصلة بين المربعات، ويملك القدرة على النفاذ إلى إطار الرقعة فلا أملك حصاره.

 

مع ذلك لم أستشعر منه الخصومة.

 

لا أفهم كيف، الأمر أكبر منّي.

 

كان مَلكُه يقطع مسافات خيالية رغم أنه لم يكسر قواعد اللعبة، ولم يكن أمامي سوى هذا كي لا يحاصرني، مددت يدي، وتغلغلتُ تحت الأبيض والأسود محاولاً تحريك القطع، لكنه لاحظني، فضرب على يدي كي أسحبها وقال:

-الغش له قواعد، وله ملوك ووزراء وعساكر، في الحكومات العسكرية يجب أن تكون أبيض أو أسود حتى تتماهى، لا تكن مركبًا منفصمًا متناقضًا مبتكِرًا فنانًا، لا تكن إنسانًا وإلا رأوك بمنتهى السهولة.

 

وفي النهاية وقفت وحدي وسط عساكره وكل هؤلاء الوزراء الذين لم أعرف من أين أتى بهم.

 

30-الجولة الثانية

كانت القواعد الكثيرة تسد طريقي ولا تترك لي مهربًا، كانت الرقعة تقشعرّ من تحتي، كانت تغتالني، اهتزتْ ثم انفتحت، وأنا أهوِي.

 

من قاع الهاوية رأيت بيادقه ينظرون في فضول إلى جسمي المحطَّم برءوسهم الصمّاء بدون عيون.

 

31-الجولة الأخيرة

تركني في قاع الهاوية، دفع حسابه وحسابي، أطفأ سيجاره، رأيته من الهاوية يتأهب للمغادرة ويقول:

-لأنك شاب وفتيّ فسوف تصعد

سوف يهزم شبابُك اليأسَ

سيهزم الوحدة

لأنك شابٌّ وفتيّ

فسوف تهزمني ذات يوم

وسأكون سعيدًا

أنك صرت في يومٍ من الأيام بطلاً

أنك صرت تعبر البحر

وتعبر المرأة..

إليّ

أنك صرتَ بطلاً في سبيلي

ولكن تلك جولةٌ أخرى

سأكون فخورًا بك

ولكن ليس الآن

أمامك هاوية هي الكون

لكنّ الآن ليس

الآن.. ليسٌ

وليس الآن (لكنّ)

فليس سوى ليس

ليس سوى ليس.

 

تمت


 






Add comment to this page:
Your Name:
Your Email address:
Your website URL:
Your message:

 
   
Advertisement  
   
 
  Kareem Essayyad

Create your badge
 
منهج تربوي مقترح لفاوست-النيل الثقافية  
   
Today, there have been 1 visitors (3 hits) on this page!
=> Do you also want a homepage for free? Then click here! <=